في رأسي فوضى، وفي قفصي الصدري بما يحتويه من قلب ورئتين أحدهما ترهقه المشاعر والآخر ترهقه الحُمى، وفي غرفتي المليئة بحقائب السفر اللتي لم تفرَّغ بعد ، ناهيك عن الفوضي اللتي يحدثها العالم في كل مرة أخطئ وأخرج رأسي من نافذة حجرتي.
اتوق الآن إلى الثواني الثلاثين اللتي تتحدث عنهم (رو) في مسلسل (ايفوريا) ، ثواني الصمت المعدودة اللتي تأتي بعد وصول أول جرعة من المخدر إلى الدماغ، صمت تام وبُعدٌ آخر صامت وهادئ لهذا العالم الفوضوي..
قليلون جدا في هذا العالم اللذين استطيع الاستمتاع بالهدوء والصمت في حضرتهم دون أن يكون صمتنا عبئاً يجب أن نملئه بالأحاديث الفارغة..
نسرين كانت أول من علمني الاستمتاع بالصمت، كنا نجلس متلاصقتين في صمت تام بالساعات، نراقب المكتبة وهي تمتلئ وتخلوا من القراء كل يوم، كم كانت جميلة نسرين كنت احب ملامحها اللتي تشبه أهل إيران، وانعكاس الشمس علي حدقة عينيها اللذي يحيلها إلى لون العسل، كنت أتوقع أن علاقتي بها قد تدوم طويلا، كانت تشبهني وكانت طيبة المعشر هادئة تحب القطط أكثر من البشر وتحب الكتب اكثر من القطط والبشر.. ربما سنتقابل يوما ما ونحكي كثيرا وتضحك لي ضحكتها الخجلى وهي تغطي وجهها بكفيها الصغيرين جدا..
نهلة أيضا تحب الجلوس في صمت بعد الكثير جدا من الحكايات، لنستجم من كل مااخرجناه من صدورنا وما استقبلناه من بعضنا.. احب نهلة وأحب ذلك الود الحنون اللذي يكبُر بيننا عبر السنين واخاف أن تأخذني الأيام والمُدن منها..
حبيبي أيضا يحب الصمت ولكنه يحب الكلام والبشر وحكاياتهم أكثر من الصمت، إلا انه ينسحب تماماً عندما يرهقونه بسيل ثرثراتهم الامنتهية، يوما ما سنتعلم سوية كيف نوازن بين الصمت والكلام، بين الخلوة بالنفس والتواصل مع الآخرين، يوما ما لن يرهقنا البشر كما يفعلون بنا اليوم، يوما ما سأكتب علي هذه المدونة عن نجاحنا في معادلة الصمت والكلام، وسأدون ذلك تحت عنوان انتصارات عظيمة..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق